٤ حكايات لسيدات مستقلات: مزيج الوحدة والطموح والاعتماد على النفس

13/12/2018

الاستقلال، قد يكون راودك حلم بمغادرة منزل أهلك والسفر أو الاستقلال بذاتك، خاصة عند بلوغك سن الـ 20 وفي الفترة من سن الـ 20 حتى منتصف الثلاثينات، تمر هذه الخاطرة إلى أذهانك كثيرًا، لكن ربما الخوف يجعلك تتراجع عن تلك الخطوة، الخوف من تحمل مسؤولية حياتك بشكل كامل، الخوف من مواجهة شئ مجهول، وربما أسباب أخرى وحدك من يعلمها.

رغم صعوبة التجربة إلا أن هناك فتيات وسيدات استطعن أخذ  قرار الاستقلال بالفعل، إما بهدف الدراسة أو العمل وهو ما جعلهن يغادرن  المدينة التي نشأن فيها ليقصدن مكان يصبحن فيه غريبات، ورغم أن الفكرة قد تبدو غريبة خاصة لدى الأهالي، لكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل أولادهم والحصول على فرصة عمل أو الدراسة أو أسباب أخرى، سرعان ما يتلاشى هذا الخوف.. هذا ما حدث مع الأربع تجارب، حيث تحدثنا إلى سيدات مستقلات يروين تجاربهن مع الاستقلال وكيف بدأت الحكاية.

كثير من الفتيات تقرر مغادرة منازلهن للالتحاق بكلية معينة ترضي الطموح، وهو ما فعلته نورا تميم البالغة من العمر 23 سنة، قررت نورا الاستقلال عن أهلها وهي بعمر الـ 19 عاما لتلبي رغبتها في دراسة الإعلام  بجامعة القاهرة، خاصة وإن هذا المجال لم يكن موجودًا في محافظة الإسماعيلية حيث منشأها وميلادها، لكن الدراسة ليست السبب الوحيد الذي يدفع  المرأة للاستقلال، لذلك حملت أماني غانم أمتعتها من محافظة المنصورة قاصدة مدينة أخرى تلبي شغفها في مجال صناعة الأفلام الوثائقية، غادرت أماني منزل أبيها وهي بعمر الـ 25 عامًا وهي الآن تبلغ 31 سنة أي منذ عام 2012، 6 أعوام قضتها أماني في مدينة القاهرة، وهي نفس المدينة التي سكنت فيها ندى الحريري للبحث عن فرصة عمل توفر لها حياة كريمة وهو ما لم  تجده في محافظة الإسكندرية التي تنتمي لها، تقريبًا كل التجارب تؤكد على أن الاستقلال له عدة أسباب ولكنهم مشتركين في إشباع الطموح، إلا أن أ. عادل، التي تبلغ 32 سنة (رفضت ذكر اسمها)، تجربتها مختلفة بعض الشئ ولكن ليس كثيرًا، لأن (أ) بعدما قررت الاستقلال عن الأهل في محافظة الشرقية لم تحمل أمتعتها فقط معها، بل كان معها ابنتها طفلة صغيرة تشاركها حياة الاستقلال تلك التي اختارتها.

بالطبع حياة الاستقلال تختلف في طبيعتها عن الحياة التي نعيشها مع أهلنا متشاركين في المأكل والمسكن وتفاصيل الحياة،  لكن عندما تقرر سيدة الاستقلال فهي تعي أن تلك الخطوة تتطلب منها التحمل الكامل لمسؤولية حياتها، وهذا ما أكدت عليه السيدات الأربعة ، قالت نورا إنها في البداية كانت تعيش برفقة أختها لكن لم يدم هذا الوضع طويلًا بعد زواج شقيقتها وانتقالها إلى لندن، هنا استقلت نورا بشكل كامل وتحملت مسؤولية حياتها، فكانت مسؤولة عن البيت وتوضيب أغراضه ودفع الفواتير وإصلاح أي عطل بالمنزل أو السيارة وهو ما يضطرها للتعامل مع الكثير من العمال، هذا بالإضافة إلى الطعام وتجهيزه، فالأمر لا يختلف إذا كنت من الاشخاص الذين يفضلون تناول الطعام بالخارج أو المنزل، لأنه عليك الاعتماد على نفسك في طلب الأكل أو تجهيزه، كل تلك الأمور أكد عليها الثلاثة تجارب الأخريات، أماني وندى و(أ).

فكرة أن تعيش بمفردك ستكون إيجابية إذا كنت من الأشخاص اللذين يفضلون العزلة والهدوء، وهذا ما قالته (أ) وهي تتحدث عن إيجابيات الاستقلال، كذلك تنطوي التجربة على مميزات أخرى، كترتيب حياتك بالشكل الذي يتناسب معك من حيث اختيار الوقت المناسب للخروج، ترتيب حياتك بناء على رغباتك أنت، والتمتع بالمزيد من الحريات وهذا ما تراه نورا أيضا في إيجابيات التجربة، ووافقتها ندى في هذا الرأي، لكن رغم أن التمتع بالحرية شعور عظين ويجعل المرء قادرا على الاختيار  والتمييز بين ما يناسب شخصيته وما لا يناسبها، إلا أن أماني وجدت أن الحرية مسؤولية يتحملها الشخص بمفرده.

بالتأكيد سيكون للتجربة عدة صعوبات وسلبيات، فإذا كنت قد غادرت المنزل عن رضا والديك وتفهمهما لمصاعب الحياة واحتياجتها ربما لن يكون المجتمع بأكمله راضيا عن هذا القرار وربما أيضًا تجد الكثير من الصعوبات في الاستقلال، والتي منها الشعور بالوحدة والقلق المتواصل وهذا ما شعرت به (أ) في تجربتها بالاستقلال، أما عن نظرة الناس أو رد فعلهم عن الأمر لم يكن لديها متسع من الوقت للالتفات إلى حديث الناس، ربما (أ) استطاعت أن تتجنب رد فعل المجتمع على استقلالها لكن ندى لم يسر الأمر معها على هذا النحو، لأنها وجدت تدخل شديد في حياتها والحكم السلبي عليها مع توقع من المحيطين بها طوال الوقت أنها تتبع تصرفات غير أخلاقية، وهذا أكثر ما كان يزعجها، أما عن نورا فكانت مشكلتها هي كثرة التعامل مع العمال بطبيعة الحياة التي عاشتها، بالإضافة إلى الشعور بالوحدة، خاصة في الأوقات التي تحتاج فيها إلى الأقرباء بجوارها، كأوقات المرض أو كالوقت الذي تحتاج فيه إلى الدعم، فلم تجد حينها سوى الوحدة.


لكن صعوبات أماني كانت متركزة في الجانب المادي، لأنه عندما قررت الاستقلال بذاتها تحملت مسؤولية التجربة كاملة، فلم يكن الأمر هينا في بدايته في تحمل نفقاتها بشكل كامل واجهت أيامًا عسيرة للغاية حتى تحسن الوضع بمرور الوقت.

لن تكن صعوبات الاستقلال في الاعتماد على نفسك في كل أمور حياتك أو الشعور بالوحدة فقط، ستواجه مشكلة أخرى خاصة فيما يتعلق بالعلاقات، وتحديدًا إذا فكرت سيدة مستقلة في الارتباط أو الزواج. تقول نورا إنها لم تكن تفكر أن الاستقلال يغير من فكرة الزواج لديها أو لدى الشريك الآخر حتى صادفت الأمر عندما ارتبطت بشخص ما ورغب في الزواج بها لكن الأهل كان ردهم قاسي بعض الشئ قالوا له نصًا:" إحنا عارفين إن البنات اللي بتعيش في القاهرة لوحدهم دول بنات بطالة"، هذه الجملة أفزعت نورا وجعلتها تتأكد أن المرأة المستقلة تواجه صعوبة في الارتباط أو الزواج، شاركتها في الرأي ندى التي رأت أن الرجل المصري يحب السيطرة على حياة شريكته وريرغب في التحكم بحياتها، لكن هذه الرغبة لن تجدي نفعا مع امرأة مستقلة تتولى مسؤولية حياتها وتعيش بمفردها وتتمتع ببعض الحريات، وتقول (أ) إن الاستقلال جعلها شخص أقوى وأقدر على التمييز بين الشخص الذي يناسبها ومن هو غير مناسب، أما أماني فكثرة مشاغلها في الحياة والسفر الكثير لا يعطيها الوقت لهذا.

الكثير يعلم أن تجربة السفر لعدة أيام أو أشهر تغير في الشخص وتجعله يكتشف الكثير عن ذاته، فما بالك بتجربة توفر لصاحبها الكثير من الوقت مع النفس، فيختلي بها ويكتشف عن نفسه الكثير، الاستقلال يعد أحد الوسائل الهامة التي توفر للشخص فرصة اكتشاف نفسه، الاستقلال يغير الكثير في الأشخاص على المستوى تطور الشخصية ونضجها، فتجد نفسك شخصا مختلفا عن الذي كنت عليه قبل استقلالك بنفسك، تواجه أشياءً لم  تتخيل أن لديك القدرة على مواجتها، وهذا ما قالته أماني وشاركتها (أ) وندى في الرأي، وأضافت نورا أن العزلة جعلتها شخص كئيب يميل إلى الجلوس بمفرده حتى عند رغبتها في تكوين صداقات تفضل طول الوقت الجلوس بمفردها.

ولكن رغم تلك الصعوبات التي تواجها أي امرأة تفكر في الاستقلال إلا أن الأربع سيدات اللائي سردن تجربتهن لم يفكرن يومًا في العودة إلى منازلهن مرة أخرى، لأنه سيكون من الصعب الاعتياد على حياة المنزل مرة أخرى بعد التأقلم على الحياة التي أجبرتهن الظروف عليها أو اخترنها لإشباع طموحهن.

Comments: