"أكل قاتل".. كيف تضع شركات الأغذية سمومها في الطعام وتسبب الإدمان

18/12/2018

بمرور الوقت، تتغير العادات الغذائية للبشر تبعا للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتحولات التي تطرأ على نمط المعيشة ذاته، يتغير مكان المعيشة من المزارع للمدن، تتغير المهن والوظائف، تظهر الصناعات ومعها صناعات الغذاء، يصبح العالم رأسماليا أكثر من أي وقت مضى، آلات ضخمة تدور في المصانع وشبكات توزيع عملاقة تغطي العالم كله، هنا يفقد الطعام وظيفته كمواد غذائية تبني الأجساد وتعين على استمرار الحياة، ويتحول إلى منتجات يجب صناعتها بشكل براق وبروائح وألوان جاذبة لتضمن للشركات الضخمة العابرة للقارات أكبر قدر ممكن من الأرباح، تسير هذه الشركات في طريق تحويل الأكلات اليومية إلى مواد مسببة للإدمان "أن تحول مستهلك إلى مدمن، فإنك ضمنت بيع منتجاتك مدى الحياة".

يكشف الفيلم الوثائقي Hungry For Change كيف يتبنى البشر أنظمة غذائية هي الأبشع في التاريخ والأكثر ضررا للصحة والأبعد عن المواد الغذائية الحقيقية، وكيف تضع شركات الأغذية العالمية سمومها في المنتجات التي يأكلها المستهلكون بلذة بالغة، ويكشف أيضا كيف يتبع البشر حميات غذائية (دايت)، ينفقون عليها ملايين الدولارات سنوية، دون تحقيق فائدة تذكر.

يقول دانيل فيتاليس، خبير الطعام إن الأطعمة التي يتناولها البشر حاليا هي مخازن للسعرات الحرارية، مجموعات من السكريات والدهون وبمجرد تناول الإنسان للسكريات فإن الجسم يحصل على إشارة "أريد المزيد منها"، وهذا يحدث لأسباب جينية حيث إن الإنسان القديم كان يأكل ما يتاح له من دهون وسكريات لكي يختزنها في جسده في فصل الشتاء أو أوقات شح الغذاء، وبالتالي فإن إيجاد هذه المواد الغذائية هي طوق النجاة لهؤلاء القوم، وهو ما طُبع في جينات البشر ولازمهم حتى يومنا هذا.

وتؤكد الدكتورة كريستيان نورثرب، الكاتبة المتخصصة في صحة المرأة، أن الإنسان عاش آلاف السنين حيث أزمنة شح الغذاء، وبالتالي فإن الأجسام صارت مبرمجة على تخزين الدهون لأوقات المجاعة، الآن يتوفر الكثير من الطعام ولكنه من النوع الخاطئ الذي لا يوفر للجسم العناصر الغذائية الحقيقية التي يحتاجها، ويمكن أن يأكل الإنسان ما يعادل 10 آلاف سعر حراري في اليوم وإن لكن إذا لم يحصل على المغذيات التي يحتاجها جسمه فإنه يكون جائعا على المستوى الخلوي، أي أن الخلية تحتاج إلى غذاء لم تحصل عليه وبالتالي فإن الجسم يكون قد حصل على كم كبير من السكريات والدهون لكنه لم يحصل على أي فيتامينات أو بروتينات ومن ثم فإنه يطلب المزيد من الطعام، وتستمر الدورة فيخزن الجسم الطعام الداخل إليه (الطعام غير المفيد)، ويطلب المزيد في الطعام أملا في تحقيق الاكتفاء من العناصر الغذائية.

تشير الدراسات إلى أن جسم الإنسان يتوقف عن طلب الطعام إذا حصل على عناصره الغذائية اللازمة، وجدت دراسة أن المزارعين يتمتعون بصحة جيدة لأنهم يتناولون كمية عالية جدا من المواد الغذائية وكمية صغيرة جدا من السعرات الحرارية، وهو عكس ما يحدث بالنسبة لسكان المدن الذين اعتادوا على الطعام السريع أو طعام الشركات والمطاعم.

يرى دافيد وليف خبير التغذية، أن ما حدث سببه أننا غادرنا المزراع واعتدنا على العيش في المدن وهذا أدى إلى أزمنة البدانة وأدى إلى سوء فهم لما يمكن أن يتضمنه نمط الغذاء الطبيعي.

دورة رأس المال التي تضمن بقاء الناس جوعى يطلبون المزيد من الأكل الضار، تسبب أمراضا مستعصية وكوارث صحية كثيرة أهمها البدانة، وهو ما يخلق اقتصادا آخر يوازي اقتصاد الأطعمة وهو اقتصاد منتجات الحمية الغذائية وعقاقير خفض الوزن وأدوية حرق الدهون، وتقول دراسة لجامعة كلورادو الأمريكية إن ثلث النساء وربع الرجال في الولايات المتحدة الأمريكية يتبعون حمية غذائية، وأن 60 مليار دولار تنفق سنويا داخل الولايات المتحدة فقط على منتجات الحمية الغذائية، أما دراسات جامعة كاليفورنيا فتوضح أن ثلثي الأشخاص الذين يتبعون حمية غذائية يكتبسون أوزانا أكبر من تلك التي بدأوا بها الحمية.

ويقول الدكتور أليخاندرو جانجر، المتخصص في التغذية العلاجية، إن الناس تتناول الطعام كمنتجات وليس كمواد غذائية وهو صنع وتم تزيينه ليبدو أفضل ورائحته أجمل، والإعلانات تساهم في تزيين صورة هذا الطعام بحيث يبدو شهيا أكثر ويمنح المستهلكين شعورا بأن تناول هذه الشوكولاتة سيجعلك أجمل، تماما كما تبدو موديل الإعلانات، إلا أن الحقيقة تقول إن الأشخاص سيصابوا بالبدانة وقائمة طويلة من الأمراض، وأكد أن الشركات لا تمنح المستهلكين منتجات صحية بل منتجات جاذبة للشراء ومصممة لتدوم على أرفف المحلات فترة أطول لتحقق الأرباح لمن ينتجوه.

وإمعانا في تحقيق الأرباح فإن شركات الغذاء وجدت أن الإدمان طريقة سهلة للاحتفاظ بالمستهلكين، يدلل جيسون فال، الكاتب المتخصص في ملف الإدمان على فكرة تعمد تحويل المستهلك إلى مدمن بما فعلته شركات السجائر في أوائل سبعينات القرن الماضي، حين رفعت نسبة النيكوتين في التبغ لتحويل المدخنين إلى مدمنين، وهو الأمر ذاته الذي يحدث في شركات الطعام.

 ويشير خبير الغذاء، الدكتور جوزيف ماركولا إلى إن شركات الطعام صاحبة الملايين من الدولارات تمتلك الوسائل العلمية للتحقق مما يجذب المستهلك العادي وكنتيجة لذلك تستخدم هذه الشركات المستخلصات الكيميائية لتصنيع طعام بمذاق رائع لكنه يمكن أن يحتوي على مواد تسبب الإدمان.

وعلى سبيل المثال، تستخدم مادة الـ MSG (صوديوم الجلوتامات الأحادي) لزيادة النكهة فيما يقارب 80% من الطعام المعدل، وهي مادة تستفز مخزنات الدهون في الجسم ومن أكبر مسببات السمنة على الإطلاق، فالشركات تريد أن تبيع للمستهليكن المزيد من الطعام، لذلك تتحكم في التركيب الكيميائي للمأكولات بحيث يبدو طعمها أفضل، وهناك مئات الدراسات على استخدام مادة MSG في تسمين الفئران.

ربما تكمن الكارثة الأكبر في المحليات الصناعية، تلك المواد التي تعطي تأثير السكر في الصودا الدايت وفي غيرها من المنتجات هي مزيج قاتل من الأسبرتام والكافيين يخلق مزيجا أكثر سوءً من "السمية المثيرة"، بقدر كونه مثيرا ورائعا، إلا أنه سام بنفس الدرجة ويفتك بخلايا الدماغ

 وتؤكد صحيفة "يال" الأمريكية لعلم الأحياء، أن المحليات الصناعية تساهم بزيادة الوزن لا تخفضه، وأن الكولا الدايت لا تحتوي على سعرات حرارية بالفعل "إن شربت الصودا بعد عامين ستكون أكثر بدانة مما كنت عليه عن بدايت شربك للصودا الدايت"، خلافا لما تسببه من قائمة طويلة من الأمراض المستعصية.

وحين ظهرت السمنة وظهر اقتصاد "منتجات الدايت" الموازي، ظهرت أيضا المنتجات الغذائية التي يدعي مصنعوها أنها "لايت" أو "دايت" مثل الألبان والجبن المدون عليها "خالي الدسم" أو "زيرو Fats"، وهي في الحقيقة منتجات لا تحتوي بالفعل على الكثير من السعرات الحرارية أو الدهون، لكنها تحتوي على كارثة أكبر بكثير وهي أن المصنعين يستبدلون الدهون بالسكريات، وبالتالي هم صادقون في أن منتجاتهم ليس بها دهون، لكن بها سكريات بمجرد دخولها الجسم ترفع مستوى السكر في الدم، فيفرز الجسم تلقائيا هرمون الأنسولين، وهو المسؤول عن تخزين الدهون في الجسم، والنتيجة واحدة: جسم يخزن الدهون. 

Comments: