المُشاهد: مسلسل"تشرنوبل".. قصة حقيقية مرعبة لمن عاشها ومخيفة لمن يشاهدها الآن

30/05/2019

كتب: أحمد العدمي

في يوم 6 من الشهر ده اتعرضت أول حلقة من مسلسل "تشرنوبل" اللي بيحكي عن واقعة تاريخية شهيرة لأكبر كارثة نووية شهدها العالم، لما انفجر المفاعل النووي اللي كان في محطة تشرنوبل النووية بمدينة بريبيات في أوكرانيا يوم 26 إبريل سنة 1986، لما كانت لسه تحت سيطرة الحكم السوفييتي.


سيرة الانفجار لسه بتسبب الحزن والألم للشعب الأوكراني اللي مازال بيعاني من توابع الواقعة دي حتى الآن، لكن صناع المسلسل قدروا يحولوا الكارثة دي إلى قطعة فنية جميلة، وبقدر مافيها من جمال فني إلا أنها لا تخلوا من نفس الألم والرعب اللي كان موجود وقت ما الانفجار حصل.

بتبدأ أحداث أول حلقة داخل المفاعل النووي وقت ما بيكتشفوا العلماء والمتخصصين اللي شغالين، إن فيه خلل بيحصل، بيفشلوا في حل هذا الخلل المجهول، لحد ما المفاعل ينفجر وتبدأ الأحداث الفعلية للمسلسل في الصعود وإحنا بنشوف إزاي كل الأطراف والشخصيات بتتعامل مع الأزمة دي، واللي مش هناخد وقت كبير في سرد تفاصيلها عشان مانحرقهاش لأن الغرض من كلامنا هنا إنكم تتشجعوا تشوفوا المسلسل لما تخلصوا قراية كلامنا!

حاجة من الحاجات اللي تشجع أي حد يشوف المسلسل ده هو الصراعات المختلفة اللي فيه، صراعات خارجية مع مصيبة أول مرة بتحصل في التاريخ فبالتالي ماعندهمش تخيل لعواقبها، أو تصور لطريقة لحلها أو وقف أضرارها، صراع مع الوقت عشان كل يوم بيعدي بينتشر الإشعاع النووي للمفاعل أكتر وبيشكل مخاطر على حياة بشر وحيوانات ونباتات، فإنت دلوقتي لو ماوصلتش لحل مش إنت بس اللي هتموت.. الكرة الأرضية كلها ممكن تتدمر.

في صراع الوصول لحل ينقذ العالم، بتظهر صراعات أخرى بين العلم والسلطة، وبين غريزة البقاء والجهل، وبين الحب والجبن، كلهم صراعات لأشياء جايز تكون غير متناقضة، لكن ده يمكن سبب من أسباب قوة الصراع اللي بيعتبر من أهم أسباب نجاح أي مسلسل.

وباختلاف الصراعات بتختلف ردود فعل سكان المدينة، بنشوف الشعب وتضحيات من ناس عارفين إنهم حرفيا رايحين للهلاك عشان ينقذوا البقية، عمال المناجم اللي سابوا مدينتهم عشان يروحوا يحفروا تحت المفاعل كمحاولة لإيقافه، العلماء اللي سابوا العاصمة عشان يروحوا عند المحطة عشان يلاقوا حل، الفتاة اللي زوجها كان من رجال الإطفاء اللي راحوا أول ما المفاعل اشتعل، وبقرب تعرضهم للإشعاع فيه منهم اللي هيموت بعد أسبوع، واللي هيموت بعد 5 سنين، واللي هيجيله سرطان يخليه يموت بالبطيء، كل المشاهد الدرامية الملحمية بتخلي كل واحد يسأل نفسه هل في لحظات زي دي بتطلب شخص يضحي بنفسه عشان ينقذ الجميع.. هيتصرف إزاي؟ هيعمل كده فعلا أو غريزة البقاء هتبقى أقوى؟ ولو غريزة البقاء ماكنتش الأقوى.. إيه الغريزة التانية اللي هتخليه يتصرف في موقف زي ده؟

 


بعيدا عن الأسئلة اللي ممكن عقلك يطرحها أثناء المشاهدة، إلا إن السؤال الرئيسي اللي المسلسل بدأ بيه أول حلقة على لسان العالم الفيزيائي اللي بيحكي القصة لما قال "ما هي تكلفة الأكاذيب؟"، وهنا يقصد بالأكاذيب هو حالة الإنكار اللي عاش فيها الحكم السوفييتي في تعامله مع المشكلة دي، بداية من تقليلهم لحجم المشكلة، وإخفاء خطورتها على الشعب وعدم نشر معلومات كافية من البداية تنقذ الموقف، وخوفهم من الفضيحة قدام العالم وقدام أمريكا وقتها، بس للأسف خوفهم ده تسبب في خساير ووفيات كتيرة، واضطروا يعترفوا قدام العالم عشان يطالبوا بمساعدات دولية تنقذ الوضع، وكل الخساير اللي بتحصل من بداية المسلسل لنهايته أعتقد هي أبلغ إجابة لسؤال بطل المسلسل عن تكلفة الأكاذيب.
المميز في المسلسل هو إن التيمة بتاعته متداخلة ومتنوعة، وتداخلها سبب في إنها تشد أي حد من أول حلقة، بنشوف أجواء تشويقية، وتيمة درامية، مع تداخل تيمة سياسية بجانب القصص الإنسانية، ودي يمكن تجميعة شبه الحياة نفسها، أو تجسيد للكارثة بمعناها الحقيقي اللي بنكتشف فيها مشاعرنا الحقيقية واللي الشخصيات دوافعها بتتعرى وبتتداخل، وده اللي خلى المسلسل يحصل على تقييمات عالية جداً على الموقع الشهير IMDB لدرجة إن بعد تالت حلقة بس تم إدراجه ضمن أهم 250 مسلسل تلفزيوني في التاريخ.

والحقيقة مش دي المرة الأولى اللي بيتم تناول فيها قصة "تشرنوبل" في عمل فني، فيه كتب وروايات شهيرة حكت القصة، زي رواية "صلاة تشرنوبل" اللي كتبتها الصحفية "سفيتلانا الكسيفيتش" اللي حكت فيها تفاصيل كتيرة وقصص انسانية من الحادثة واللي أثرت في كل اللي قرأوها بتجسيد معاناة الناس اللي عاشوا في الفترة دي.
 

وفي وسط كل عوامل الجذب اللي في القصة نفسها إلا إن الكاستنج بتاع الممثلين للمسلسل كان مميز جدا، لأن فيه شبه كبير بين شكل الممثلين وبين الشخصيات اللي لعبوا أدوارها في الحقيقة، والكويس هنا إن اختيارهم لناس شبيهة بالشخصيات الحقيقية ماجاش على حساب الأداء التمثيلي لأن تم اختيارهم بناء على قدراتهم التمثيلية الكبيرة، لأن من أقوى الحاجات في المسلسل هو براعة أداء الممثلين اللي بتقدر توصلك المشاعر بشكل حقيقي وغير مبالغ فيه.
وأكيد مش هننسى نتكلم عن الموسيقى الخاصة بالمسلسل، اللي بتجسد حالة الرعب والموت اللي بنشوفها طول الحلقات، موسيقى فيها عزاء للشعب الأوكراني، وإنك تسمعها بس شيء كفيل إنه يقبض القلب.

المسلسل بينتمي لفئة المسلسلات القصيرة اللي بتبقى عبارة عن موسم واحد وعدد حلقات قليلة، وخرج بشكل مزج بين فورمات الفيلم الوثائقي والفورمات الدرامي، ومن إنتاج شركة "إتش بي أو" اللي أنتجت المسلسل الأشهر "جيم أوف ثرونز"
اتعرض لحد دلوقتي 4 حلقات من المسلسل، وباقي منه الحلقة الخامسة والأخيرة، وبصراحة بعيدا عن الأحداث المخيفة، إلا إن كل اللي بيخوفني وأنا بتفرج إني بفتكر محطة الضبعة اللي في مصر وبقول ربنا يستر!

Comments: