أصغر فرهادي.. كيف نبرّر قيام شخص ما بعمل أخلاقي أو غير أخلاقي؟

07/05/2020

كتبت: نوران عاطف

"حين أكتب، لا أفكر في جمهور معين أتوجه إليه بالحديث، بل أكتب فقط ما يمليه عليَّ قلبي".

المخرج أصغر فرهادي في لقاء مع وكالة "فرانس برس"

نقطة القوة اللي بتخلي أي كاتب أو سينمائي يخرج من حيز المحلية للعالمية، حتى لو كان أعماله بتدور بشكل كامل عن مجتمعه وتفاصيله، هي إنه بيقدر يشوف التفاصيل دي بشكلها وتحليلها الإنساني، الحدوتة كأحداث ممكن تبقى نابعة من قلب ثقافته لكن هي في الآخر بتتكلم عن الإنسان ودوافعه ومشاعره وأفكاره وهو عايش في إطار مجتمع معين، وده ممكن نلاقيه في أعمال نجيب محفوظ وفي أعمال المخرج الإيراني أصغر فرهادي.

سابعة من أصل 8 أعمال سينمائية لأصغر فرهادي بتدور حوالين شخصيات من المجتمع الإيراني، وتقريبًا ستة منهم بيدوروا داخل إيران، عشان كده بيقول "أصغر" إنه كان أول المتفاجئين بالتغيير الكبير والدوشة اللي حصلت في حياته سنة 2011 بعد فيلمه "Separation" أو "انفصال"!

"انفصال" كان أول فيلم إيراني ياخد جايزة الدب الذهبي في مهرجان برلين، وأول فيلم في تاريخ المهرجان يحصد 3 دببة بعد ما اخد كمان جايزة أحسن ممثل وممثلة، بجانب إنه بعدها أخد جايزة الأوسكار عن أحسن فيلم أجنبي، ومن وقتها بدأ مسيرة جديدة تحت الأضواء والاهتمام العالمي.

قبل "انفصال" كان لأصغر فرهادي 4 أفلام، هما "الرقص مع الغبار"، "ألعاب يوم الأربعاء النارية"، "مدينة جميلة"، و"عن إيلي" واللي أخد عنه جايزة الدب الفضي من مهرجان برلين كأفضل مخرج، ومُجمل أعماله السينمائية هو 8 أفلام برصيد 86 جايزة.

قصص "فرهادي" كلها بسيطة، ويمكن لو حد حكهالك ما تحسش بحماس أو تتخيل إن القصة دي تصلح إنها تكون فيلم جيد، اتنين بيتطلقوا وزوج عايز يرعى والده المريض ومش عايز يسافر، 3 أسر مسافرين في رحلة ومدرسة البيانو اللي مسافرة معاهم تختفي، زوجة بتشك إن جوزها على علاقة بجارتهم...إلخ من القصص اللي لا تتعددى كونها أحوال بتتكرر كل يوم، أو قصص جانبية في الأفلام الجماهيرية، لكن "فرهادي" نجح إنه يعمل منها عمل متماسك متكامل ويصنع من أزمتك الشخصية العادية فيلم أكبر من إننا نقول عليه عمل اجتماعي لأنه بجدارة عمل إنساني يحمل في طياته كل الجوانب اللي ممكن تبقى دافع للتصرف أو الموقف اللي حصل واللي يبدو بسيط واللي ممكن تبقى ثقافية أو سياسية أو دينية، وده مُتأثر فيه "فرهادي" بآرثر ميلر وقال عنه في لقاء له:

"أحبه لأنّه يتحدث عن العلاقات بين الأفراد داخل الأسرة، ومسرحياته متعددة الزوايا، إذا كنت سياسيّاً، فسترى الجزءَ السياسيّ منها؛ وإذا كنتَ تهتمّ بالعلاقات، فسترى العلاقات؛ وإذا كنت معنيّاً بالمجتمع، فسترى المجتمع، وهذا ما أحبّه.".

المحور الأهم والأكثر اختلاف لأفلام أصغر فرهادي هو بعده كل البعد عن الشكل الكلاسيكي العادي للخير والشر في الأفلام، هو بيقدملك المواقف والحكايات اللي انت بتمر بيها واللي ممكن تبقى سيئة بس بتحصل، وبيحصل إنك تبقى بشكل عام شخص مش شرير، لكن شيء أو اختيار أو صدفة تدفعك للتصرف بشكل سيء ناحية حد تاني وهكذا من التعقيدات والتركيبات الدنيوية واليومية اللي ممكن جدًا ما يبقاش فيها شخص ندينه في النهاية.

وده اللي بيقول فيه المخرج الإيراني لموقع "إندي واير" ذكره وترجمه موقع "منشور":

"المآسي الكلاسيكية تعتمد على حرب بين خير وشر، وموقفنا يكون واضحًا بينهما: نريد أن ينتصر الخير وينهزم الشر. ولكن المأساة الحقيقية، كما يحدث في الحياة، حين تكون المعركة بين خير وخير، لا يصبح مهمًّا حينها من يفوز.. ستنكسر قلوبنا في جميع الأحوال"

في النهاية أصغر فرهادي طول الوقت بيطرح أسئلة مش بيجاوب عليها، بيسيبك انت تفكر في حياتك وفي اللي حواليك، لو انت مكان البطل أو البطلة -وده وارد يحصل جدًا للأسف- هتعمل إيه؟ هتختار إيه؟ طب هو لو فعلًا كل حاجة لها سبب ودافع ليه بنقول إن فيه أشرار؟ أو هل وجود الدافع يخليهم مش أشرار؟..إلخ من الأسئلة اللي بتخلي كل عمل له بالفعل بيضيفلك قيمة إنسانية كبيرة، وبيسيبك تفكر الفيلم اللي هو بشكل ما تفكير في حياتك.

بيقول "فرهادي" في حوار لموقع "Criterion":

"لكلّ شخصٍ أسئلة حول حياته الخاصّة، وبوصفي أعمل في السينما، فعندي الفرصة لتقاسم تلك الأسئلة مع الناس الآخرين، أحد الأسئلة التي عندي طوال الوقت هو سؤال كيف نبرّر قيام شخص ما بعملٍ هو أخلاقيّ أو غير أخلاقيّ، في فيلمٍ تلو فيلمٍ، بدأتُ في طرح هذا السؤال بطرقٍ مخلتفة؛ فعندما خرج الجمهور من فيلمي "The salesman"، كان لديهم السؤال الذي لديّ نفسه: أيّة شخصيّة كانت تقوم بالشيء الصحيح؟"

Comments: